جان لوئيس بوركهارت
340
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
ملئت لهم القصعة الخشبية الكبيرة ماء ووضعت على الأرض ، فيجثو العبيد ويشربون منها مرات كما تشرب الماشية من مساقيها . وهم يفعلون هذا اتقاء تبديد الماء إذا أخذ كل عبد منه نصيبا على حدة . ويشرب المسافر في هذه الرحلات مقدارا كبيرا حين يتوافر الماء . ولا يحسبني القارئ مغاليا إذا قلت إنني كثيرا ما شربت أوان العصر في جرعة واحدة ملء زجاجتين من زجاجات الماء العادية . والاكتفاء بثلاث شربات في اليوم أو أربع يعد تضييقا على الراكب . وإذا كان الماء موفورا قل أن تجد من الزنوج أو العرب من يقنع في اليوم بأقل من ست شربات أو سبع ، أما حين تهب الرياح الجنوبية الشرقية فلا يكفى ماء - مهما كثر - لترطيب فم المسافر ، فهو يتلهف على الشرب كل ربع ساعة . وما يرويه البدو للحضر عن بقائهم ظماء يومين أو ثلاثة ليس إلا حديث خرافة ، والمسافرون في أي جزء من أجزاء النوبة - أو في طرق القوافل على الأقل - لا يفتقرون إلى الماء ولا يشتد بهم الكرب ما لم تكن الآبار قد نضب معينها . وليس في الطريق قسم طويل يخلو من الماء إلا القسم من قوز رجب إلى سنار ، ومن حدود كردفان إلى شندى ، ومع ذلك فكثيرا ما يعاني التجار السودانيون ويلات العطش حتى ولو كانوا على مقربة من الآبار ، وما ذلك إلا لأنهم لجشعهم وحرصهم يسرفون في تحميل جمالهم بالسلع والبضائع إسرافا لا يترك لهم متسعا لحمل زاد وفير من الماء . والقربة المتوسطة التي تسع خمسين رطلا من الماء أو ستين تكفى الرجل - في حسابهم - ثلاثة أيام إذا كان وحده ، أو تكفى أربعة رجال يوما واحدا إذا كانوا يأكلون ويشربون جماعة . وإذا حط العرب ساعات الظهيرة سموا ذلك « القيالة » ، فيقولون « نحن قيلنا في المطرح الفلاني » . وإذا أمرهم رئيس القافلة بالوقوف صاح بهم « قيلوا يا اخواتنا » ، فإذا أرادهم أن يستأنفوا السير صاح بهم « الشديد الشديد » ( من وسق الأحمال والشد عليها ) فإذا أرخى الليل سدوله هتف بهم « حطوا » فالعربى إذا روى لك مسيرة يومه قال « قمنا في الفجر ، وقيلنا على الماء ، وشدينا والظل بطول الشخص ، وبعد النزول [ الغروب ] حطينا وبيتنا في المطرح الفلاني » .